الاثنين، 15 مارس 2021

وقفة تأمل و افتقار مع فيلم الجوكر !

 

صورة فيلم الجوكر


وقفة تأمل و افتقار مع فيلم الجوكر ! 


بعد إخراج فيلم الـ ( joker )...

الفيلم نال زخماً إعلامياً بارزاً و حقق أرباحاً أسطوريةً في دور السينما بلغت قرابة المليار دولار أمريكي ( في أمريكا فقط! )  مع أنه لم يتجاوز شهراً واحداً من عرضه الأول!!! و كما يقول الدكتور الشيخ المبدع حسن الحسيني :"الساحة ليست للحق، الساحة الآن هي لمن يعمل"! 

هنا تتبين حقيقة تاريخية في فلسفة الفكر الغربي = و هي متلازمة الزيادة و النقصان بعلاقة طردية عند الغرب بين (التطور التقني) و (العبثية و ضياع القيم) !

في عصر النهضة كان الفكر الغربي يبحث عن آلية عمل الكون عبر إرهاصات الثورة التجريبية العلمية و صار منتشياً جداً بقوانين تفسر عمل الكون و لكن مع ملاحظة وجود الخالق حتى أن إسحاق نيوتن كان يستدل بدليل الإحكام و الإتقان على وجود الله! و إن كان بدأ يخبو عند الغرب نَفَس التعظيم الإلهي لنشوة العلم كبراً و علواً، حتى بدأت بوادر ظهور الإلحاد الربوبي  الذي ينفي حكمة الله في خلقه و ينزع سلطة العبودية من الكون و أن الله تعالى خلق الكون بقوانين محكمة و تركه هملاً...

انتشى الغرب أكثر في عصر التنوير فاشتدت الثورة العلمية التجريبية و بدأ يظهر صوت الإلحاد الصريح و الحاد جداً في إنكار الله تعالى بعبارات سيئة في حق التعظيم الرباني - سبحان الله و تعالى عما يصفون - و بدأت تتعالى بعدُ في عصر الحداثة و ما بعد الحداثة أصوات (النسبية)، ليس في نظرية آينشتاين فقط بل صارت تتمدد في كل المجالات التجريبية و الإنسانية، حتى الفيزياء الكلاسيكية أصابها الشلل بنظريات (الكوانتم ميكانيك)، و رجع الغرب لسفسطة اليونانيين القدماء بالتشكيك في المبادئ الفطرية الأولية، و ظهر التصريح بعدم جدوى الفلسفة و أن الراية الآن يحملها العلم التجريبي كما صرح الفيزيائي الملحد ستيفن هوكنج!

من يتتبع الفكر الغربي و توغله في العلم التجريبي شيئاً فشيئاً يلاحظ استحضاره للاستغناء في كل فترة عن العظمة الإلهية حتى وصل الإلحاد الجديد لذروته الآن...

الغريب في الأمر - و هو ما له تعلق بفيلم الـ (joker) - أن الفكر الغربي الآن وصل لهاوية بعيدة جداً في فقدان بوصلة الغائية! صاروا يتلذذون بالعالم بدون مقصد.. بدون غاية.. بدون هدف! العبثية في أبهى صورها! التشتت! .. اللامبالاة! 

هي حالة فقدان الحقيقة العظمى في الوجود!.. حالة فقدان ( الله) في الحياة!... صار الغرب ينتج الأفلام تلو الأفلام ليبرر للعبثية و للكآبة و للتشتت!

فيلم الـ(joker) فيلم وصل القمة في الأدب السينمائي و خلاصته النهائية هي ( اللاشيء! )، التبرير للجريمة و القتل و التعذيب و الاستمتاع بالفتك و الضرر للناس بمناظر وحشية و دموية تصيب الإنسان بالذعر و الهلع معبراً عن الكآبة و الأذى الذي يلحقه من المجتمع... هذا الفيلم و مثيلاته من الأفلام التي أُغرقت في التبرير للجريمة بكل أنواعها يرسم حياة النسبوية التي يعيشها الغرب الآن.. حياة باهتة! حياة قاتمة! حياة تفتقر للحقيقة المطلقة و الفطرة السوية و ( السر الأعظم) - كما يقول ابن القيم في المدارج - هي حياة تفتقر لمعرفة الله - تبارك وتعالى -...

لن يستطيع الغرب ضبط النفس و معدلات الجريمة المتزايدة و تسفل الأخلاق الدنيئة التي صار الإعلام يُشرعن لها! = ما لم يرجع لقوة متعالية حكيمة مدبرة عظيمة عليمة... ما لم يرجع لله - تبارك و تعالى -...

لقد أبدع شيخ الإسلام ابن تيمية حينما رسم منهجية أهل السنة والجماعة في صفات الله تعالى مقارناً لها بالفلاسفة و بالمتكلمين فأخرج إبداعاً معرفياً في مجال العقيدة بأن أخصّ خصائص صفات الله - تبارك و تعالى - هي : كمال غنى الله تعالى مقابل تمام افتقار المخلوق!!!

يا للعظمة! سبحان الله العظيم!

{ يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله و الله هو الغني الحميد}

هذه الآية فلنكتبها بماء العيون على صفائح الذهب المُحلّى لتكون كنزاً افتقده الفكر الأوربي في عصوره شيئاً فشيئاً فوقع في عبثية و لا غائية مريعة!

آية الكرسي من سورة البقرة - و هي أعظم آية في القرآن الكريم - و قد احتوت على كمال الرب تبارك وتعالى و جمال صفاته كما قرر ذلك أبو المنذر أبي بن كعب فكانت الجائزة قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( و الله ليهنِكَ العلم أبا المنذر) [كما في صحيح مسلم]... نعم هو العلم المفقود الآن في الفكر الغربي، هو السر الأعظم الذي يضبط الإنسان في فلسفة الأخلاق و الغايات و القيم؛ فالإنسان لا يقوم وحده...


و لماذا لما تم عرض الفيلم كانت الحراسة العسكرية مشددة تماماً في دور السينما ؟!!! 


لأنهم خافوا من تكرار حادثة في دور السينما بعد عرض فيلم شبيه بهذا الفيلم فخرج من يريد حقيقةً تطبيق هذه العبثية و هو متقنّع بقناع الـ (joker) في أرض الواقع!! =فقتّل الحضور فأردى منهم ١٢ قتيلاً و جرح ٧٢ مصاباً! وتقول المواطنة الأمريكية ساندي فيليبس، التي فقدت ابنتها البالغة من العمر 24 عاما في الهجوم : "لا أحتاج لرؤية وجه هولمز لأتذكره. يكفي رؤية الإعلان التشويقي للفيلم حتى تحضر صورته في ذهني"!!! .


نخرج من زخم هذه العبثية و التبرير للجريمة بخلاصة فريدة و هي : {  قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } 

سبحانك اللهم وبحمدك! 


#العالمانية_طاعون_العصر 

#joker

ملاحظة :

(لم أحضر كل الفيلم ، وإنما استفدتُ فكرته  ورأيت بعض مقاطع معبرة عن جوهره ، ومعلومات عنه من مراجعة للفيلم قدمها د. حسن الحسيني)


الثلاثاء، 5 يناير 2021

هل تُحقق الليبرالية نموذج الدولة اللا انحيازية " impartial state " كما يُسوّق لها ؟


الليبرالية العربية



 هل تُحقق الليبرالية نموذج الدولة اللا انحيازية " impartial state " كما يُسوّق لها ؟

[ نظرة نقدية مختصرة في مفهوم الحياد في الدولة الليبرالية  وأنها تقف على مسافة واحدة من الأديان ، وبيان لكساد التسويق الإعلامي عند سماسرة الليبرالية ، السودان أنموذجاً ] 


- من ألمع الحملات التسويقية للّيبرالية إدعاء سماسرتها أنها تستطيع تقديم نموذج ٍ لـ(دولة حيادية) تقف على مسافة واحدة من كل الأديان و العقائد و الخلافات الآيدلوجية و الصراعات الإثنية الكثيرة في وطن كبلادنا السودان و هي بذلك تمثّل الملاذ الآمن لحل هذه المُعضلة الإثنية بفصل الدين من الدولة ، هكذا ترسم لنا الآلةُ الإعلاميةُ الليبراليةَ - بكل بساطة - ! 


- وللأسف هذه النظرة للّيبرالية يمكن أن تنطلي على من لا معرفةَ له  بنظام الدولة الحديثة الذي نعيشه و كافة حمولته و تبعاته و مواثيقه و لوازمه. 

- والواقع أنك بمجرد إقامتك لحِزمة من القوانين: (دستور/وثيقة /لوائح... ) مُلزمة تعاقب من يخالفها و تحميها بسلطة و لا يستطيع أحد تجاوزها و لا التحاكم إلا من خلالها = فأنتَ أقحمتَ الدين في صميم الدولة؛ و ذلك أن لفظ ( الدين) في حقيقته هو أوامر مُلزمة بنظام مُعيّن كما سمى الله نظام المَلك ديناً في عهد نبي الله يوسف - عليه السلام - : { ما كان ليأخذ أخاه في دين المَلك إلا أن يشاء الله}، و كل الذي تقوم به الليبرالية في هذا الأمر هو مغالطة لفظية بأنها لا تُسمي قوانينها ديناً !، و الحقيقة أنها تُقصي ديناً إسلامياً سماويّاً خالداً من حكم البلاد ثم تُمرر ديناً أرضياً بشريّاً قاصراً صنعه لها جان جاك روسو و جون لوك و توماس هوبز و سبينوزا مع استصحاب المواثيق الدولية و المعاهدات الإقليمية و المؤسسات الإقتصادية الكبرى التي يضعها البشر لتحاكم بها الدول لِزاماً بحكم تملكها لرأس المال العالمي ! 

وقد تحدثتُ بشيء من التفصيل عن هذه الخديعة الكبرى في مقال : خديعة العالمانية العربية .

-لو نظرنا لبلادنا السوران ؛ فمنطق العقل السليم يقول : كيف تكون دولتك حيادية و أنت تُلزمنا - مثلاً - في الوثيقة الدستورية الانتقالية في بلادنا السودان في الفصل العاشر :" الحقوق و الحريات " بمواثيق العهود و الاتفاقيات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان المتواضع عليها بين الليبرالين ذاتهم في مجالسهم و مؤسساتهم ؟! ما الفرق بين هذا الإلزام و هذا الإلزام :{ و ما كان لمؤمن و لا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}؟!  

-و تعتبر هذه المنطقة إحدى إشكاليات التبني الديمقراطي للدولة  الحديثة في مقابل الفكر الليبرالي : فلو أن حكماً و قانوناً عاماً أصدرته السلطة القائمة بصورة ديمقراطية شملت تصورات أغلب الشعب = هل إلزام الأقلية الباقية من الشعب الرافضة لهذا الحكم  بالعمل و معاقبتهم عليه يُعتبر فعلاً ليبرالياً يحمي حرية الفرد الشخصية ؟! 

حسناً، لنمدد قوة السؤال أكثر فنقول :ماذا لو كان هذا الحكم مخالفاً لأغلبية الشعب المسلم كما هو الحال في بلادنا السودان مع دعاوى فصل الدين عن الدولة ؟! 

و لكَ أن تتخيّل الآن مدى الانحياز الذي يُمارس باسم (الدولة المحايدة) ضد أغلبية الشعب ! 

- ثم لو سلّمنا جدلاً بهذه الدولة الحيادية الافتراضية؛ فلنا سؤال مشروع : هل الدول الليبرالية العالميّة الآن تُطبق هذا النموذج تجاه القيم الدينية التي يحملها المسلمون كممارسة شخصية - على الأقل - ؟ 

يضرب الشيخ الدكتور العجلان-حفظه الله- أمثلةً رائعةً تبين مدى الانحياز الليبرالي ضد هذه المفاهيم و الممارسات فيقول في إحدى جواباته عن ذات الإشكال حول الدولة الليبرالية :

" فعلى مستوى العبادات: تتدخل - أي الدولة الليبرالية - في كيفية إجراء الأذان والصلوات، بل وحتى المحتوى الذي يقدم في خطب الجمعة فليس لك مطلق الحرية فيه.

وفي الأطعمة: لا تملك الذبح الشرعي الذي ينافي حقوق الحيوان.

وفي الأنكحة: لا تملك حق الزواج تحت سن معين يخالف سن الرشد المدني، كما لا تملك مراعاة شروط النكاح الشرعية من شهود وولي ومهر، ومن لا يجوز الزواج منهم، ما دام أنه يخالف اختيار البنت، كما تمنعك من حريتك الشخصية في التعدد الشرعي المباح، حتى ولو أتيتَ بصك رضىً من أهل الأرض كلهم.

وفي التربية: لا يملك أن يربي أولاده على شيء يخالف هذه القيم الليبرالية، كما أنه ملزم بتعليم أولاده في التعليم النظامي وفق البيئة والقيم والشروط الليبرالية، كما قد يمنع من بعض الأمور الشرعية كالختان مثلاً.

وفي اللباس والمظهر العام: قد تمنع المرأة من لبس الحجاب، كما قد يمنع الرجال من إعفاء لحيته في بعض الأعمال.

بل حتى حق الحياة الأساسي الذي تراه من قطعيات الدين لن تملك شيئاً أمام مشروعية الإجهاض وقتل الأطفال مراعاة لحق المرأة.

كما أن القوانين التي تصدر من المؤسسات التشريعية هي قوانين ملزمة حتى ولو تعارضت مع مبادئك الدينية، فالقانون أقوى، وقد تراعي بعض البلدان التحفظات الدينية على بعض القوانين، لكنه ليس ملزماً على كل حال، لأن القانون فوق الجميع.

وحتى التحاكم إلى القوانين الشرعية عند التراضي، فليس لك حرية في ذلك حتى ولو كان ذلك بالتراضي بين المتحاكمين أنفسهم، إلا في حدودٍ لا تعارض الأصول الليبرالية.

بل وحتى المؤسسات الدينية الخاصة، لا تملك خياراً حراً في أن تتعاقد فيما بينها وفق شروطٍ خاصة مستندة إلى مرجعيتهم الدينية إذا كان في ذلك مساس بالأصول الليبرالية.

وفي حرية التعبير عن رأيك الديني فأنت محكوم بقيم الليبرالية، ومنها أن تمتنع عن أي خطاب فيه كراهية، وهذا المفهوم فيه من العموم والضبابية ما يجعله يتمدد ولا يقتصر على ما فيه اعتداء مباشر، بل قد يتوسع لتجريم ما يراه مهيئاً لهذا العدوان، وبطبيعة الحال أن مثل هذا سيكون على حساب الحرية الدينية  " . 

- وقد يتولد سؤال برئ و هو إذا كان ذلك كذلك؛ فلماذا الشعور التلقائي البارد للمسلمين تجاه هذه القيم الليبرالية بأنها هي = الأصل و هي الحياد و هي المقياس ؟ 

و الجواب - بكل بساطة - : 

هو سطوة النموذج الليبرالي على الفكر العالمي و تحكمه في مفاصل العالم سياسياً و إقتصادياً و إجتماعياً بما يجعل المزاج العام هو المزاج الليبرالي! ( وفق نظرة عالم الاجتماع ابن خلدون في خضوع المغلوب تحت سلطة ثقافة الغالب). 


-الخلاصة : 

لا يمكن أن تكون هناك دولة حديثة بنظمها وإلزاماتها القانونية تحكم مجتمعاً ما إلا وهي (دولة انحيازيّة)  ، كما يرى المفكر دونالد مون“Donald Moon” أنّ الحيادية متعذرة التحقق الخارجي ، ويقول في ذلك: " يجب على كل دولة أن تُنظّم الفرص والإمكانيات من خلال طرق تعطي بعض التفضيل لأحد التصورات أو غيرها عن الخير"، وما مصطلح الدولة الحيادية إلا كذبة سماسرة مبتعثي الليبرالية في البلدان العربية ليتم التسويق لها في سوق السياسة لتكتمل الإمبريالية العالمية لأسيادهم . 

فالدولة في الفكر الليبرالي = ( منحازة) للبشر... عفواً ! لـ(بعض شرذمة) من البشر... 

والدولة في الدين الإسلامي = (منحازة) لخالق البشر { ألا له الخلق و الأمر}... 


{فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} ؟! 






وقفة تأمل و افتقار مع فيلم الجوكر !

  وقفة تأمل و افتقار مع فيلم الجوكر !  بعد إخراج فيلم الـ ( joker )... الفيلم نال زخماً إعلامياً بارزاً و حقق أرباحاً أسطوريةً في دور السينم...